حين تُغيب المجهودات وتُشهر بالمحاكم.. من ينصف موظفي العدل بالعيون؟
في إطار تتبعه المستمر للأوضاع المهنية والاجتماعية لموظفات وموظفي هيئة كتابة الضبط، و انطلاقاً من مسؤوليته النقابية في الدفاع عن حقوقهم ومكتسباتهم وصون كرامتهم المهنية، تابع المكتب المحلي للنقابة الوطنية للعدل بالعيون، باستغراب واستياء بالغين، التصريحات التي أدلى بها السيد وزير العدل أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، والتي وصف فيها وضعية الحضور بالمحكمة الابتدائية بالعيون بـ«الكارثة»، مدعياً أن عدد الموظفين الذين يحضرون بصفة اعتيادية لا يتجاوز سبعة إلى عشرة موظفين من أصل 160، مع التلويح باعتماد البصمة والتفتيش المفاجئ وإمكانية عزل الموظفين الذين يتم ضبطهم في حالة غياب.
وإذ نؤكد أن احترام أوقات العمل ومحاربة التغييب غير المشروع مسؤولية لا نقاش فيها، فإننا نرفض بشدة هذا الخطاب الذي لا يكتفي بتبخيس مجهودات موظفي المحكمة بالعيون، بل يقدمهم أمام الرأي العام في صورة جماعية لا تعكس حقيقة عطائهم المهني ولا حجم التضحيات التي يبذلونها يومياً لضمان استمرارية المرفق القضائي.
فهل أصبحت مردودية المحكمة غير مرئية، بينما أصبح الغياب المزعوم وحده يستحق أن يُعرض تحت قبة البرلمان؟
إن الأرقام الرسمية المنشورة على بوابة المجلس الأعلى للسلطة القضائية تتحدث عن نفسها؛ فقد حققت المحكمة الابتدائية بالعيون نسب تصفية بلغت 109,9% سنة 2023، و103% سنة 2024، و99,5% سنة 2025، بما مجموعه 116.203 قضية محكومة خلال ثلاث سنوات.
إنها حصيلة لا يمكن فصلها عن المجهودات التي تبذلها مختلف مكونات المحكمة، وفي مقدمتها موظفو هيئة كتابة الضبط، الذين يشتغلون بتفان ومسؤولية وضمير مهني، في ظل إكراهات مهنية وإدارية يعرفها جيداً من يلامس واقع المحاكم.
وهنا نطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كان عدد الحاضرين لا يتجاوز سبعة إلى عشرة موظفين، وفق تصريح السيد الوزير، فمن ساهم في تحقيق هذه الحصيلة؟ ومن تحمل أعباء هذا الكم الهائل من الملفات والإجراءات والجلسات؟ أم أن الوزارة لا تستحضر موظفيها إلا حين يتعلق الأمر بالتغيب، وتغيبهم تماماً حين يتعلق الأمر بالإنجاز؟
إننا لا نقدم هذه الأرقام لننفي وجود اختلالات أولنجعل من المردودية حصانة ضد المحاسبة، وإنما لنؤكد أن الإنصاف يقتضي عرض الصورة كاملة، وأن تقييم المرفق القضائي لا يمكن أن يقوم على جانب واحد مع تغييب كل المؤشرات الأخرى.
إن الضمير المهني هو المحرك الحقيقي للطاء، وليس مجرد جهاز للبصمة أو مفتش يقف خلف الموظف. فعديمو الضمير المهني قد يوجدون في كل مؤسسة ومرفق، ولا يمكن أن تكون حالات فردية، متى ثبتت، مبرراً لتبخيس مجهودات جماعة مهنية بأكملها أو التشهير بها.
كما نستغرب اختلال مفهوم الحضور في البصمة والوجود الجسدي داخل المكتب، في وقت تتجه فيه الإدارات الحديثة نحو الرقمنة وتطوير أساليب العمل وربط تقييم الأداء بالمردودية والنتائج وجودة الخدمات. فالمطلوب هو تحديث الإدارة، لا اختزال الموظف في كرسي أو جهاز بصمة، دون اعتبار لما ينجزه وما يقدمه للمرفق العام.
في شأن التلويح بالعزل: القانون لا يُختزل في زيارة تفتيشية!
إننا نسجل ببالغ القلق التلويح بعزل الموظفين بمجرد ضبطهم في حالة غياب خلال عمليات التفتيش المفاجئة، ونذكر بأن المشرع لم يجعل إنهاء العلاقة الوظيفية قراراً آلياً يترتب عن مجرد معاينة عابرة، بل أحاطه بضو ابط ومساطر قانونية صريحـة.
فالفصل 75 مكرر من النظام الأساسي للوظيفة العمومية يميز بين الغيابات المبررة قانوناً وبين الانقطاع المتعمد عن العمل وبالتالي، فإن عدم العثور على الموظف بمكتبه لحظة مرور لجنة تفتيشية لا يشكل، في حد ذاته، حالة ترك وظيفة ولا يبرر العزل الفوري.
فالتفتيش وسيلة لإثبات الاختلالات، وليس حكماً بالإدانة، والعزل مسطرة قانونية وليس قراراً تصنعه زيارة مفاجئة. كما أن التغيب غير المشروع الذي لا يرق إلى حالة ترك الوظيفة يترتب عنه مقتضيات مالية وتأديبية بحسب الحالة، ولا يجوز الخلط بين مختلف الأوضاع والمساطر القانونية.
إن كرامة الموظف جزء من كرامة المرفق القضائي
إن الأثر الأخطر لهذا الخطاب لا يقف عند حدود التشكيك في المجهودات المهنية، بل يمتد إلى صورة موظفي هيئة كتابة الضبط أمام المرتفقين، بعدما أصبح بعض التقاضين ينظرون إلى الموظف بعين الانتقاص، وكأن الوزارة نفسها قد أصدرت حكماً جماعياً على من يسهرون يومياً على خدمة العدالة.
فهل هذا هو الاعتبار الذي تسعى الوزارة إلى ترسيخه لموظفيها؟ وهل من المقبول أن تتحول التصريحات الصادرة عن المسؤول الحكومي الأول عن القطاع إلى مادة للتشكيك في نزاهة والتزام الموظفين دون تقديم صورة متكاملة عن واقعهم المهني؟
إن موظفي العدل بالعيون ليسوا في حاجة إلى شهادة في الانضباط من خلال خطاب التهديد، بقدر حاجتهم إلى الاعتراف بمجهوداتهم وتحسين ظروف اشتغالهم وتثمين عطائهم.
وعليه، فإن المكتب المحلي للنقابة الوطنية للعدل بالعيون:
يستنكر بشدة التصريحات التي مست بصورة موظفي المحكمة الابتدائية بالعيون وكرامتهم المهنية، ويعتبر التعميم والتشهير مسلكاً غير منصف في تدبير الشأن الإداري.
يطالب السيد وزير العدل بالكشف عن الأسس والمعطيات الدقيقة التي استند إليها في تحديد عدد الموظفين الحاضرين، وتوضيح مصدرها وسياقها، بدل إطلاق أحكام عامة تمس مؤسسة بكملها.
يدعو إلى تقييم أداء المحاكم وفق مؤشرات المردودية والإنجاز وجودة الخدمات، إلى جانب احترام واجب الحضور، دون اختزال العمل في البصمة والوجود الشكلي.
يؤكد ضرورة احترام المقتضيات القانونية والمساطر والضمانات المقررة للموظفين، ويرفض أي تأويل يجعل من مجرد معاينة الغياب خلال التفتيش سبباً آلياً للعزل خارج الشروط المنصوص عليها في الفصل 75 مكرر.
يطالب الوزارة بالاعتراف بمجهودات موظفي هيئة كتابة الضبط، وتحسين ظروف اشتغالهم، وإشراك ممثليهم في معالجة الاختلالات بدل اعتماد خطاب يزيد من توتير المناخ المهني ويمس بكرامة العاملين.
يدعو إلى اعتماد مقاربة إصلاحية تشاركية تجعل من التحفيز والتكوين وتحديث الإدارة وتثمين الموارد البشرية ركائز أساسية للرفع من جودة المرفق القضائي.
ختاماً نقول للسيد وزير العدل:
إن محاكم العيون ليست أرقاماً تُستحضر للتشهير، وموظفوها ليسوا أشباحاً غابت عن مكتبها وטרكت خلفها هذه الحصيلة من العمل والإنجاز.
نحن مع المحاسبة، لكننا ضد التبخيس؛ مع الانضباط، لكننا ضد الإهانة؛ مع الإصلاح، لكننا نرفض أن يكون ثمنه كرامة الموظف. فالموظف الذي يعمل بضميره يستحق التقدير، والذي يخل بواجبه يحاسب وفق القانون، أما أن يُدان الجميع بخطاب واحد، فذلك ليس إصلاحاً للإدارة، بل إساءة إلى من يحملون عبء استمراريتها.
عاشت النقابة الوطنية للعدل إطاراً وحدودياً للدفاع عن الحقوق والمكتسبات.
عاشت وحدة الشغيلة العدلية.
عن المكتب المحلي للنقابة الوطنية للعدل بالعيون
(ختم وتوقيع المكتب المحلي – العيون)




















