فوضى ميناء العيون: دلالة السردين تتحول إلى صراع الصناديق البلاستيكية

مدير الموقع24 أكتوبر 2025آخر تحديث :
فوضى ميناء العيون: دلالة السردين تتحول إلى صراع الصناديق البلاستيكية

عرف ميناء العيون مساء يوم الخميس 23 أكتوبر حالة من الفوضى العارمة بسبب ما بات يُعرف بـ”دلالة السردين”، التي انطلقت دون دراسة مسبقة أو تنسيق مع مختلف المتدخلين في القطاع، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير المكتب الوطني للصيد البحري لهذه العملية الحساسة. فقد أُعطيت الانطلاقة الرسمية من طرف المديرية الجهوية للمكتب الوطني في ظروف وُصفت بالمرتبكة، حيث لم تُعقد أي اجتماعات تمهيدية مع مهنيي الصيد أو ممثلي الوحدات الصناعية أو أرباب الصناديق البلاستيكية، ما جعل الانطلاقة تتحول إلى فوضى تنظيمية حقيقية داخل الميناء.

 

الاحتقان بلغ ذروته بعدما أقدم أحد أصحاب الصناديق البلاستيكية على منع شاحنة من التحرك أمام مرأى ومسمع الجميع، في مشهد يعكس غياب أي سلطة تنظيمية حقيقية أو تدخل حازم من مسؤولي المكتب. هذا التصرف لم يكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت الحادثة حجم الفوضى والتداخل بين المصالح الخاصة والعامة. يُجمع عدد من المهنيين على أن ملف الصناديق البلاستيكية هو أصل التوتر داخل الميناء، فهذه الصناديق، التي يُفترض أن تكون أداة عمل، تحولت إلى وسيلة ضغط وتحكم في مسار الدلالة، حيث يتم توجيهها أحياناً نحو وحدات أو تجار بعينهم، بينما يُحرم آخرون من حقهم في الاستفادة. عدد من المنشورات الفيسبوكية لمهنيين في العيون تحدثت عن تحكم لوبيات الصناديق في حركة السردين بالميناء، وسط صمت مريب من المكتب الوطني للصيد، ما زاد من تأجيج الغضب داخل أوساط الفاعلين الحقيقيين في القطاع.

 

وفي تطور مثير للجدل، عبّر المدير الجهوي للمكتب الوطني للصيد البحري عن أن المديرة العامة أعطت تعليمات صريحة بعدم التدخل في مشكل الصناديق البلاستيكية، وهو تصريح أثار غضب واستغراب المهنيين. فكيف يُعقل أن تُترك فوضى بهذا الحجم دون تدخل، في حين أن الصناديق تُعتبر جزءاً من المنظومة الرسمية لتسويق المنتوج؟ هذا الموقف، في نظر العديد من المهنيين، يتنافى مع روح المسؤولية الإدارية ومبدأ المحاسبة، ويعكس تخلي الإدارة المركزية عن دورها في حماية الشفافية وتنظيم السوق.

المفاجأة الأكبر كانت في مشاركة أشخاص في المزايدة دون التأكد من توفرهم على الكسيون القانونية أو استيفائهم لشروط الدلالة، وهو ما يطرح شبهة تلاعب خطير في العملية، خاصة وأن بعض الفيديوهات التي توثق انطلاقة الدلالة تؤكد هذه التجاوزات الصارخة. كما عرف اليوم الأول من الدلالة واقعة غريبة، حيث تم الإعلان عن رسو البيع على أحد ممثلي الوحدات، قبل أن يُفاجأ هذا الأخير بعد خروجه بزيادة 20 سنتيم في السعر النهائي، دون أي توضيح من الجهة المنظمة. فهل أصبحت الأسعار تُحدد بعد انتهاء البيع؟ أم أن هناك من يسعى لتسمين جيوب بعض المحسوبين على المكتب الوطني للصيد؟

 

الم يكن الأجدر بالمكتب الوطني للصيد أن يعقد اجتماعاً جاداً ومسؤولاً مع المهنيين الحقيقيين قبل إعطاء الانطلاقة لهذه العملية الحساسة؟ أليس من المنطقي فرز المهنيين الحقيقيين من المتطفلين عبر تتبع معاملاتهم المالية وأنشطتهم الواقعية داخل الميناء بدل الاعتماد على أسماء تتكرر فقط في الاجتماعات الشكلية؟ إن سياسة إرسال مسؤولين جهويين إلى الميدان لمجرد التصفيق لمن يشيد بتحركاتهم لم تعد تُقنع أحداً، بل أصبحت تثير غضب الفاعلين الحقيقيين في القطاع، الذين يطالبون اليوم بإشراك فعلي في اتخاذ القرار، وبإعادة ترتيب البيت الداخلي على أسس الشفافية والكفاءة، بعيداً عن المحاباة والمصالح الضيقة.

هذه الأحداث المتتالية تطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما يجري هو فعلاً عملية بيع منظمة من بدايتها إلى نهايتها، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون غطاءً لتلاعبات ومحاولات لتغذية مصالح ضيقة على حساب الشفافية والمهنة؟ المهنيون اليوم يطالبون بفتح تحقيق عاجل وشفاف من طرف الجهات الوصية، وإعادة النظر في طريقة تدبير الدلالة بما يضمن المساواة وتكافؤ الفرص، ويضع حداً للفوضى التي تُسيء إلى سمعة قطاع الصيد الوطني.

 

إن ما يحدث في ميناء العيون ليس مجرد خلل عابر في عملية بيع أو سوء تنسيق إداري، بل هو مرآة لأزمة تسيير أعمق تعاني منها موانئ الصيد بالمملكة. فحين يصدر تصريح رسمي يقول إن التعليمات المركزية تمنع التدخل في مشكل الصناديق البلاستيكية، فإننا أمام منطق إداري يكرّس الفوضى بدل إصلاحها. المكتب الوطني للصيد البحري مطالب اليوم بأن يتحمل مسؤوليته كاملة في إعادة النظام والشفافية إلى أسواق السمك، وألا يترك الموانئ رهينة لتجاذبات المصالح والولاءات. المهنيون الحقيقيون لا يطلبون المستحيل؛ إنهم فقط يطالبون بالعدالة، والإنصاف، وتكافؤ الفرص، وهي أبسط مقومات الحكامة الجيدة. استمرار مثل هذه الممارسات في ميناء العيون أو غيره لن يؤدي إلا إلى تقويض الثقة بين الإدارة والمهنيين، وإضعاف أحد أهم القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. المطلوب اليوم موقف شجاع من الإدارة المركزية: التدخل الفوري، فتح التحقيق، ومحاسبة كل من سمح بخلق هذه الفوضى التي تمس بسمعة الصيد المغربي داخل وخارج الوطن.

الاخبار العاجلة