تسريبات جبروت …. الغايات و الخلفيات

مدير الموقع19 مايو 2026آخر تحديث :
تسريبات جبروت …. الغايات و الخلفيات

م.احمد الشتوكي

تعج وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بما يصطلح عليه بتسريبات صفحة “جبروت” على منصة “تلغرام” . و إذا كانت الغاية المعلنة لهذه العملية محمودة في شقها المتمثل في كشف الفساد و تعرية أذرعه فإنها في العمق تتخذ أشكالا لا يمكن إلا تصنيفها في خانة تصفية الحسابات و تندرج في عملية منظمة للضرب تحت الحزام تستهدف مجموعة من المؤسسات كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية و ووزارة العدل ووزارة الداخلية و بيانات هيئة الموثقين، بالإضافة إلى مسؤولون سامون من قبيل وزير العدل و وزير الداخلية و ووزير الميزانية ، فضلا عن زعماء أحزاب سياسية وشخصيات سياسية طبعت و تطبع المشهد السياسي الوطني.

 

إن طبيعة هذه التسريبات و ظرفية انتشارها والطريقة الانتقائية التي تدار بها، تجعل المتتبع محاطا بمجموعة من الأسئلة المشروعة من قبيل الجهة التي تقف خلفها و حدود المعطيات التي تتوفر عليها ، و كذا الأجندة الظاهرة و الخفية التي تشتغل عليها، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار نبرة الوعيد التي تتسم بها المنشورات المرفقة لهذه الوثائق المسربة و التي غالبا ما تحمل في طياتها تهديدا لمسؤولين و سياسيين كتلك التي وجهتها مباشرة لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والتي بلغت حد نشر وتسريب المعطيات الشخصية لمئات الآلاف من المواطنين في خرق جلي للنصوص و القوانين المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية مما يضع المشرفين على العملية في موضع مساءلة من الناحية القانونية.

 

ومن بين التسريبات التي أسالت الكثير من المداد ،بين من يشيد بها و من يعتبرها استهدافا ممنهجا في إطار خطة مسبقة ومحكمة للاغتيال السياسي الرمزي لواحد من أبرز الفاعلين السياسيين على المستوى الوطني، نجد تلك المرتبطة بنشر مجموعة من الوثائق التي تتناول حصول القيادي الاستقلالي حمدي ولد الرشيد بصفته مستثمرا و منعشا عقاريا على و عاء عقاري عبر اللجنة الجهوية للاستثمار من أجل إقامة مشروع عقاري وخدماتي بمدينة العيون. فإذا أخذنا بالحسبان صحة هذه الوثائق، ما دامت لم تخرج أي جهة سواء مصالح الدولة أو المعني بالأمر لتفنيدها، فإن هذا لا يمنع من مناقشة حيثياتها و التركيز على شرعية العملية من الناحية القانونية و تناول ظروفها ومحاولة و ضعها في إطارها الصحيح

 

إن ما عمم عبر هذه التسريبات، وبغض النظر عن خلفياته، وانطلاقا من إلمام تام بكيفية اشتغال اللجان الجهوية للاستثمار و طريقة إدارة عملها يجعلنا نقف على مجموعة من الحقائق التي لا تشكل بأي حال من الأحوال موضع شبهة لخرق المساطر القانونية أو استغلال للنفوذ أو احتمال حدوث تضارب للمصالح. فالمراكز الجهوية للاستثمار مفتوحة في وجه جميع المواطنين و لا تشترط صفة أو مكانة أو قبعة لكي تستقبل طلباتهم للحصول على وعاء عقاري استثماري وفق الشروط و الضوابط القانونية المؤطرة للعملية. وهو النهج الذي سلكه المستثمر حمدي ولد الرشيد حيث اجتاز طلبه جميع المراحل الواجب اجتيازها بدءا بوضع الملف لدى المركز الجهوي للاستثمار مرورا باللجان التقنية المختلطة للدراسة و وصولا إلى لجنة المصادقة و التأشير و التي تضم في عضويتها جميع المصالح و الإدارات المتدخلة من سلطة محلية و وكالة حضرية و مصالح جماعية و مندوبية أملاك الدولة و التي يجكم عملها كناش تحملات خاص بكل أصناف الاستثمار من حيث النوعية و الموقع و المساحة وصولا إلى ثمن التفويت.

 

وفي هذا السياق، ووفق وثائق” جبروت” المتداولة تبرز عملية بيع وعاء عقاري اقتنى بموجبها حمدي ولد الرشيد عبر شركته وعاء عقاريا للاستثمار في المجال العقاري و الخدماتي بمبلغ ثلاثون درهما للمتر مربع ، لكن طريقة تناول هذه العملية تتسم بكثير من التضليل و التوجيه الذي يطرح فعليا مجموعة من الأسئلة حول الخلفيات الحقيقية ما دام أسلوب التناول يوحي برغبة أكيدة لإضفاء مجموعة من الصفات وتمرير رسائل تفرغ العملية من جوهرها القانوني و طابعها الإداري الصرف و تضعها في مقام النهب و “تافراقشيت”. إن تناول معطى ” 30 درهما” بصيغة مجردة عن واقع الاستثمار بالعيون و بمعزل عن التراكم الذي حصل في مجال تدبير العقار العمومي يندرج فعليا في إطار الاستهداف و التغليط. فمنذ المسيرة الخضراء، دأبت الدولة على تسليم العقارات بطريقة مباشرة للمستفيدين منها سواء للاستغلال السكني أو كمساحات كبيرة في المناطق الصناعية و مداخل المدن وفق فلسفة تدبيرية تخضع لسلطتها التقديرية ، بل أنه حتى بعد القطع مع هذا النهج و الانتقال إلى تثمين الوعاء العقاري المدرج ضمن ملك الدولة الخاص، استمرت هذه الأخيرة في اعتماد مجموعة من الأساليب التفضيلية التي تراها ضرورية لدعم الاستثمار و تسريع وثيرة التنمية الاقتصادية و العمرانية بالصحراء. ومن بين الأمثلة على ذلك نجد استفادة مجموعة الضحى من مئات الهكتارات و بأثمنة أقل بكثير من 30 درهما و هو الشيء نفسه الذي ينطبق على شركة العمران ، وكلتاهما شركتان ربحيتان تعيدان بيع العقار بعد تصفيته و تقسيمه و تجهيزه للمستهلك بأثمنة مرتفعة.

 

كما تجدر الإشارة إلى أن مجموعة كبيرة من المستثمرين استفادوا ، وبطرق مشروعة و قانونية، من عقارات مخصصة للاستثمار و في مراكز المدن حيث يتوفر الربط بشبكة الطرق و الصرف الصحي و الماء و الكهرباء و شبكة الاتصالات و بأثمنة قد لا تصل إلى 100 درهم ، وهو الشيء الذي لا ينطبق على حالة المستثمر حمدي ولد الرشيد الذي اقتنى وعاء عقاريا غير مجهز في أطراف المدينة مما يتطلب استثمارا ماليا ضخما لتجهيزه بالطرق و المواصلات و الماء و الكهرباء و غيرها من الأساسيات التي ينص عليها دفتر التحملات.

 

إن الحديث عن حماية الوعاء العقاري و طرق الاستفادة منه يستوجب أن يكون شموليا لا انتقائيا، كما يجب أن لا يتخذ مطية للتشهير و تصفية الحسابات السياسية،كما يجب استحضار الدوافع و الخلفيات التي تحكم تدبيره ، فبمقارنة بسيطة سنستخلص أن مجمل الوعاء العقاري الذي خصص للإنعاش العقاري بالصحراء لا يصل إلى ما حازته شركات إنتاج الطاقة الريحية لإنجاز حقولها و لا يساوي مساحة تلك المحميات المنتشرة في المغرب و التي يحوزها الخليجيون لتربية طيورهم وترويض صقورهم. هذا دون الحديث عن المجازر التي تتعرض لها الأراضي السلالية و كذا ما جناه المخطط الأخضر على أراضي صوديا و صوجيطا.

الاخبار العاجلة