قرار تنظيم تصدير السردين بين حماية السوق الوطني ومحاولات تضليل الرأي العام

مدير الموقعمنذ 49 ثانيةآخر تحديث :
قرار تنظيم تصدير السردين بين حماية السوق الوطني ومحاولات تضليل الرأي العام

أثار قرار تنظيم تصدير السردين المجمد نقاشاً واسعاً في الأوساط المهنية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وتداولت بعض الجهات تأويلات وتفسيرات بعيدة عن حقيقة القرار ومقاصده. وبين من اعتبره استهدافاً لوحدات التصنيع، ومن صوره كضربة موجهة للمهنيين، تضيع الحقيقة وسط الضجيج، ويصبح من الضروري توضيح الأمور للرأي العام بلغة دقيقة ومسؤولة.

القرار الصادر عن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، كما تم الإعلان عنه خلال شهر يناير 2026 وتم تأطيره تنظيمياً ضمن العدد 8454 من الجريدة الرسمية بتاريخ 26 يناير 2026، لا يتعلق بإغلاق المصانع ولا بتوقيف نشاط وحدات التحويل، بل يخص حصرياً تنظيم وتقييد تصدير السردين، خاصة في شكله المجمد، عبر إخضاعه لنظام الترخيص المسبق لمدة محددة. ويستهدف هذا الإجراء وحدات التجميد الموجهة للتصدير، دون أن يشمل نشاط تعليب السردين أو باقي أصناف المنتجات البحرية التي يظل تصديرها مسموحاً به وفق القوانين الجاري بها العمل.

التمييز هنا أساسي. فالقرار لا يمنع الصيد، ولا يوقف الإنتاج، ولا يشل الصناعة كما يروج البعض، وإنما ينظم عملية التصدير لصنف معين في ظرفية خاصة. هذه الظرفية تتميز بتراجع ملحوظ في مخزون السردين خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفضت كميات المصطادات مقارنة بسنوات سابقة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على العرض داخل الأسواق الوطنية، وأدى إلى ارتفاع الأسعار في فترات متفرقة، مما أثر على القدرة الشرائية للمواطن، خاصة وأن السردين يعد من أكثر الأسماك استهلاكاً لدى الأسر المغربية.

في هذا السياق، يأتي القرار في إطار منطق الأولوية الوطنية، أي ضمان تموين السوق الداخلي قبل توجيه المنتوج إلى الخارج، حفاظاً على الأمن الغذائي البحري وتحقيق نوع من التوازن بين متطلبات التصدير وحق المواطن في الاستفادة من ثرواته البحرية بأثمنة معقولة. وهو إجراء قابل للمراجعة متى توفرت وفرة حقيقية في الإنتاج تسمح بتغطية الطلب الداخلي وتحقيق فائض موجه للتصدير دون الإضرار بالسوق الوطني.

ولا يمكن في هذا المقام إلا الإشادة بجرأة كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، السيدة زكية الدريوش، في اتخاذ قرار قد لا يكون شعبوياً لكنه يعكس تحمّل المسؤولية وتغليب المصلحة العامة على أي حسابات ظرفية. فالقرارات التنظيمية الكبرى في القطاعات الحيوية تتطلب شجاعة سياسية ورؤية استباقية، خاصة حين يتعلق الأمر بثروة استراتيجية تمس الأمن الغذائي للمغاربة.

كما أن أبناء القطاع، من مهنيين وأطر وتقنيين، هم الأدرى بخصوصياته وتعقيداته، وهم الأكثر وعياً بحساسية التوازن بين المخزون، والتسويق، والتصدير، وحماية السوق الداخلي. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش المسؤول يجب أن يستند إلى معطيات مهنية وعلمية، لا إلى انطباعات عابرة أو قراءات مجتزأة.

غير أن ما يثير الانتباه هو محاولات بعض الأطراف تصوير القرار على أنه استهداف مقصود أو قرار ارتجالي، في حين أن المعطيات الموضوعية تؤكد أنه تدبير تنظيمي ظرفي تفرضه معطيات المخزون والسوق. كما أن تضخيم الموضوع وتقديمه للرأي العام بقراءات مبتورة لا يخدم سوى أجندات ضيقة، ويغذي مناخ التشكيك بدل ترسيخ ثقافة المعلومة الدقيقة، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا التهويل.

إن حماية الثروة السمكية مسؤولية مشتركة، وتدبيرها يقتضي أحياناً اتخاذ قرارات غير شعبوية لكنها ضرورية لضمان الاستدامة. وبين حرية التعبير وحق الاختلاف، يبقى تضليل الرأي العام لأهداف شخصية أو مصلحية سلوكاً لا يخدم لا القطاع ولا المواطن.

القرار في جوهره ليس منعاً مطلقاً، بل تنظيم مرحلي يوازن بين مصلحة المهنيين وحق المغاربة في الاستفادة من خيرات بحرهم. وعندما تعود الوفرة ويستقر المخزون، فإن آلية التصدير يمكن أن تعود بشكل طبيعي وفق ما تسمح به المؤشرات العلمية والاقتصادية.

فالرهان اليوم ليس في تأجيج النقاش، بل في ترسيخ وعي جماعي بأن الثروة البحرية ليست مجالاً للمزايدات، بل مسؤولية وطنية تقتضي الحكمة والموضوعية، بعيداً عن الضجيج الذي يختلط فيه الرأي بالحسابات الشخصية.

الاخبار العاجلة