عاصفة الاكتئاب تضرب الصحراء… حين يغدو المرض موقفاً احتجاجياً

مدير الموقعمنذ 37 ثانيةآخر تحديث :
عاصفة الاكتئاب تضرب الصحراء… حين يغدو المرض موقفاً احتجاجياً

بقلم : لمن ميارة

لا يمكننا اليوم أن نتحدث عن الاكتئاب في المجال الصحراوي باعتباره مجرد “حالة نفسية” عابرة تصيب الأفراد، بل هو في جوهره مرآة تعكس واقعاً اقتصادياً وسياسياً معقداً تؤكده الأرقام الرسمية رغم محاولات الحجب. إن الاكتئاب، الذي نعرفه علمياً بأنه اضطراب ناتج عن خلل في كيمياء الدماغ يتحول في مدننا إلى “موقف احتجاجي صامت”؛ إذ كيف للأحلام أن تزهر في تربة أرقامها قاسية؟ هذا التساؤل يقودنا مباشرة إلى المكاشفة التي قدمتها المندوبية السامية للتخطيط في تقاريرها لعامي 2024 و2025، حيث رسمت خارطة لـ “وأد الطموح” تصدرتها جهة واد نون بنسبة بطالة بلغت %31.5 (تقرير المندوبية السامية للتخطيط ، 2024) تليها جهة العيون-الساقية الحمراء بنسبة %26.6 وهي أرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي صكوك إدانة لواقع يغلق الأبواب في وجه جيل كامل.

هذا الانسداد في الأفق الاقتصادي يولد بالضرورة انكساراً نفسياً جماعياً، عززه تبني قرارات جافة لم تراعِ خصوصية المنطقة؛ حيث جاء منع التوظيف المباشر ليقطع شعرة معاوية بين الشباب والمرفق العمومي، تلاه تفعيل الضريبة على القيمة المضافة (TVA) التي أجهزت على ما تبقى من القدرة الشرائية في بيئة كانت تعتبر الإعفاء الضريبي صمام أمان اجتماعي. وفي ظل قطاع خاص ضعيف جداً ، يجد الشاب نفسه محاصراً بين سندان العطالة ومطرقة الغلاء، حتى في جهة الداخلة-وادي الذهب، التي تظهر تقارير المندوبية نسبة بطالة منخفضة تقنياً %10.6 تظل هذه النسبة “قناعاً إحصائياً” لا يعكس عمق الأزمة؛ كون أغلب هذه المناصب موسمية تفتقر للكرامة الوظيفية.

وهنا يمتزج “ما هو سياسي” بـ “ما هو اقتصادي” لينتج لنا خلطة سامة من الحرمان تترجمها الجغرافيا اليومية لمدننا؛ حيث تصبح أرصفة المقاهي ساحات شاسعة للانتظار القاتل. إن الإقبال الكثيف والساعات الطوال التي يقضيها الشباب في هذه الفضاءات لم تعد مجرد مضيعة للوقت، بل أصبحت تشكل حيلة من حيل الدفاع النفسي اللاواعي فالمقهى هو “المرفأ الأخير” للهروب من واقع البيوت المشحونة بالخيبات. وما يزيد من مرارة هذا الاغتراب هو عدم إدماج الكفاءات المحلية في ثروات المنطقة الاستراتيجية؛ إذ يراقب الشاب مناجم الفوسفاط العملاقة وهي تدار بعيداً عن تطلعاته في التوظيف القار الذي من شأنه خفض نسب البطالة القياسية، كما يصطدم بمفارقة قطاع الصيد البحري؛ ففي الوقت الذي تصدر فيه الأطنان، تصل أسعار السردين والأسماك الشعبية في أسواقنا المحلية إلى أرقام قياسية، مما يرسخ الشعور بأن الشاب الصحراوي “غريب في مأدبة أرضه” (الفوسفاط والصيد البحري).

ولا يتوقف الأمر عند حدود الأرقام الاقتصادية الجافة، بل يمتد ليعمق جراح الهوية النفسية؛ حيث تتقاطع هذه المعطيات مع تأكيد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن 48.9% من المغاربة عانوا أو يعانون من اضطرابات نفسية (تقرير المجلس CESE، حول الصحة النفسية). وإذا كانت هذه النسبة تمثل المتوسط الوطني، فإن التقديرات تشير إلى أن نسبة الإصابة بالاكتئاب والاضطرابات النفسية في ربوع الصحراء مرتفعة، مدفوعة بـ “ثالوث الضغط”: البطالة، العزلة الجغرافية، وفقدان الأمل في تغيير الوضع المعيشي لجيل بأكمله، مما يجعل الاكتئاب المرض رقم واحد الذي ينهش وجدان الشباب الصحراوي بصمت.

وأمام هذا الضغط الهائل، يصطدم الشباب بعجز بنيوي في منظومة الرعاية؛ إذ لا تخصص الدولة سوى 2% من ميزانية الصحة للجانب النفسي (المخطط الوطني للصحة النفسية). وفي الصحراء، لا تحظى الجهات الثلاث من أصل 2431 سريراً وطنياً إلا بنصيب رمزي ، أما الطامة الكبرى، فتتجلى في أن من بين 454 طبيباً نفسانياً في المغرب (بيانات الهيئة الوطنية للأطباء)، لا يرابط في هذه الربوع الشاسعة سوى عدد قليل، مما يفرض على المريض انتظار موعد بعيد أو قطع مئات الكيلومترات بحثاً عن “خلاص”.

هذا الفراغ القاتل يحول اليأس إلى “هروب كبير” نحو الأطلسي. فبينما أحبطت وزارة الداخلية المغربية 78,685 محاولة هجرة غير نظامية في عام 2024 (حصيلة وزارة الداخلية)، يبرز السؤال: كم يمثل منها شباب المنطقة؟ إن تحول سواحلنا إلى المنصة الرئيسية لـ “طريق الأطلسي” — الذي شهد وصول 46,843 مهاجراً لجزر الكناري بزيادة 17% (تقرير الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل والداخلية الإسبانية، 2024) — يؤكد أن شباب المنطقة لهم نصيب لا بأس به من هذه الرحلات. إن فقدان 1,070 شخصاً في هذا الطريق خلال نصف عام (تقرير المنظمة الدولية للهجرة ، 2024) هو الثمن الباهظ الذي يدفعه المكتئبون هرباً من “موت نفسي” إلى مخاطرة حقيقية في عرض المحيط، وهو رقم يدفعنا بحرقة للتساؤل: كم من هؤلاء المفقودين هم من أبنائنا الذين ضاقت بهم الأرض فاتسع لهم القبر المائي؟

وأمام هذا المشهد، يصطدم المراقب بجدار من “الصمت الإحصائي” المريب؛ ففي الوقت الذي تُنشر فيه الأرقام الوطنية العامة، يغيب أي تفصيل رسمي دقيق يرصد معدلات الإقدام على الانتحار أو نسب الإصابة بالاكتئاب الحاد وتحديداً وسط الفئة العمرية الشابة والمنتجة في أقاليمنا الصحراوية. إن هذا التعتيم على “أرقام الوجع المحلي” — سواء في سجلات الصحة النفسية أو في قوائم ضحايا الهجرة السرية من أبناء المنطقة — لا يحل الأزمة، بل يفاقم من “عزلة المريض” ويجعل وقوعه ضحية لهذا الانسداد النفسي أو ركوبه البحر صرخة احتجاج بلا صدى. إن غياب المعطيات الدقيقة حول تنامي حالات الفقدان المفجع للأرواح في عز عطائها ليس مجرد نقص في البيانات، بل هو مؤشر على رغبة في حجب حجم الانكسار النفسي الذي خلفته سنوات من الانتظار القاتل.

إن مواجهة هذه العاصفة لا تبدأ من مكاتب الأطباء، بل بـ “قرار سياسي” ينهي واقعاً تُتخذ فيه القرارات الحيوية التي تخص المنطقة (مثل كيفية توظيف الشباب، أو كيفية استغلال الفوسفاط والصيد البحري) في “المركز” بعيداً عن فهم الخصوصيات المحلية أو إشراك أبناء المنطقة في صياغة هذه القرارات؛ وهو ما يجعل التدبير منفصلاً عن الواقع المحلي، ويستوجب اليوم إعادة النظر في مجموعة من القرارات المركزية. إن الدواء الحقيقي ليس في المهدئات، بل في تحقيق “العدالة المجالية” والكرامة، ليشعر الإنسان الصحراوي بأنه شريك حقيقي في بناء ثروات أرضه، وليس مجرد رقم مكتئب ينتظر دوره في قوارب الموت أو في طوابير المصالح النفسية.

الاخبار العاجلة