هكذا سيكون الحكم الذاتي: هندسة المؤسسات والمحاصصة القبلية كخيار ضروري

مدير الموقع8 أبريل 2026آخر تحديث :
هكذا سيكون الحكم الذاتي: هندسة المؤسسات والمحاصصة القبلية كخيار ضروري

بقلم : لمن ميارة

يبرز مقترح الحكم الذاتي اليوم ليس فقط كخيار سياسي فوق طاولات المفاوضات، بل كمسار حتمي تفرضه توازنات القوى الدولية؛ ففي ظل انسداد أفق القبول المتبادل كحل نهائي يرضي كافة الأطراف، بدأت ملامح “التنزيل التدريجي” تفرض نفسها عبر بوابة الاقتصاد والمصالح المشتركة. إن هذا التنزيل الصامت يتشكل من خلال مشاريع اقتصادية كبرى وبنى تحتية استراتيجية تفرض مباركة القوى الدولية العظمى، التي باتت ترى في استقرار المنطقة وتنميتها أولوية تفوق الجمود الدبلوماسي. وبذلك، يتحول الحكم الذاتي من نص قانوني ينتظر التوافق، إلى واقع ملموس تفرضه لغة المصالح الدولية، مما يجعله الحل الوحيد الممكن والواقعي الذي يجد مشروعيته في “الأمر الواقع” الاقتصادي والاعتراف الدولي المتنامي.

القبيلة كبنية سياسية ناظمة للمجال

إن تفكيك تركيبة المجتمع الصحراوي يكشف عن حقيقة بنيوية لا يمكن تجاوزها، وهي أن القبيلة لا تزال تمثل المؤسسة السياسية الحقيقية والعمود الفقري لأي تمكين داخل هذا المجال الحيوي. فالقبيلة في الصحراء لم تكن يوماً مجرد تجمع اجتماعي، بل كانت هي “الدولة” في معناها التقليدي، وهي التي تحدد خرائط التحالفات التاريخية، وموازين القوى، والصدامات، بل وهي المرجعية التي تمنح الحق في التمكين السياسي والاقتصادي وتحدد السيادة على المجال الترابي والموارد. لذا، فإن أي حل سياسي يتجاهل هذا الثقل السوسيولوجي محكوم عليه بالفشل، فالقبيلة هي “اللاعب المختفي” خلف الستارة السياسية، ولا بد أن تكون حاضرة وبقوة في صياغة ملامح الحكم الذاتي. ومن هنا، تبرز “المحاصصة القبلية” كضرورة حتمية يفرضها الواقع التاريخي والتركيبة النفسية للمجتمع، حيث يصبح تمثيل كل القبائل المعنية بالنزاع ضمانة للاستقرار وسداً منيعاً ضد شعور أي مكون بالإقصاء، مما يجعل المحاصصة صمام أمان لنجاح هذا التحول التاريخي من النزاع إلى التدبير الذاتي المشترك.

هندسة الاستقرار: المحاصصة التوافقية كضمانة للعدالة التمثيلية

تعد المحاصصة في التمثيل السياسي جوهر العقد الاجتماعي القادم في إقليم الحكم الذاتي، فهي ليست نكوصاً نحو القبلية، بل هي اعتراف بخصوصية المجال التي تفرض توزيع السلطة بشكل يضمن التوازن بين الكتل القبلية الكبرى والمتوسطة. إن هذه المحاصصة في المؤسسات التمثيلية، سواء في البرلمان المحلي أو المجالس التنفيذية، تهدف إلى خلق حالة من “الديمقراطية التوافقية” التي تمنع تغول مكون واحد على حساب الآخرين، وتضمن لكل “خيمة” صحراوية صوتاً مسموعاً في دوائر القرار. إنها عملية هندسة سياسية دقيقة تهدف إلى تحويل الصراع على السيادة إلى تنافس على التنمية، مع ضمان الحد الأدنى من الحضور الرمزي والفعلي لكل الأطياف القبلية، وهو ما يشرعن مؤسسات الحكم الذاتي في نظر الساكنة المحلية ويمنحها القبول الشعبي الضروري للاستمرار والنجاح.

مجلس الأعيان والخبراء: مأسسة الحكمة وتكامل الكفاءات السيادية

وفي إطار هذا التوازن المؤسساتي، يبرز مقترح “مجلس الأعيان والخبراء” كغرفة ثانية تتكامل مع المجلس التشريعي، لكنها تقوم على فلسفة الإصلاح الجذري لمؤسسة الشيوخ التقليدية ودمجها في صلب الدولة الحديثة. يتكون هذا المجلس من رافدين أساسيين: أولاً “الشيوخ”، حيث تتجه الرؤية نحو خلق شكل جديد من النخبة الرمادية التي تمتلك رصيداً معرفياً ومعنوياً ورمزياً حقيقياً داخل قبائلها، بعيداً عن الوجوه التي استُهلكت سياسياً في المراحل السابقة، لضمان استقطاب شخصيات تحظى بالهيبة والقبول الشعبي الأخلاقي. وثانياً “الخبراء”، وهم إطارات عليا ببروفايلات علمية ومعرفية دقيقة في المجالات القانونية والاقتصادية والاستراتيجية، يمثلون العقل التقني للمجلس. إن هذا التكامل بين الحكمة الرمزية للشيوخ والكفاءة العلمية للأطر يخلق مصفاة مؤسساتية تضمن مرور القرارات بروح من الواقعية الاجتماعية والاحترافية الإدارية، مما يمنح مؤسسات الحكم الذاتي قدرة عالية على التدبير الرشيد والتمثيلية الوازنة أمام المجتمع الدولي والساكنة المحلية على حد سواء.

إدماج الوافد كشريك في بناء المواطنة المجالية

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز “الوافد” كشريك استراتيجي في عملية التعمير والبناء، حيث يتطلب نجاح الحكم الذاتي إدماجاً ذكياً لهذه الفئة التي استثمرت دماءها وعرقها في استنبات النماء فوق الرمال. إن إشراك الوافد ليس مجرد ضرورة ديمغرافية، بل هو اعتراف بمواطنة “الأرض والتعمير” التي تتكامل مع “شرعية الدم”، مما يخلق نسيجاً مجتمعياً قادراً على تجاوز الحساسيات الضيقة نحو أفق تنموي شامل يخدم الجميع دون تمييز.

مواصفات رئيس الإقليم في مرحلة الانتقال السيادي

أما بخصوص مؤسسة رئاسة هذا الإقليم، فإنها تشكل المرحلة الأكثر حساسية، حيث يجب أن تتوفر في الشخصية التي ستشغل هذا المنصب شروط مركبة تتجاوز الكفاءة الإدارية الصرفة. لا بد أن يمتلك رئيس الإقليم تاريخاً سياسياً حافلاً بالتعامل مع ملف الصحراء، وفهماً دقيقاً لكواليسه الدولية والمحلية، بالإضافة إلى “وزن قبلي” وازن يمنحه الهيبة والقدرة على توحيد الكلمة والتحكيم بين التوازنات القبلية المختلفة. إن هذا المزيج بين الشرعية التاريخية والثقل الاجتماعي هو ما سيمنح الرئيس القدرة على قيادة المرحلة الانتقالية، وتدبير الحساسيات المحلية بروح من الحكمة والاتزان، ليكون رمزاً لوحدة الإقليم وضمانة لاستمرارية المؤسسات في ظل التحديات الأمنية والسياسية المحيطة بالمنطقة.

اقتصاد السيادة: الصناديق التنموية وتدبير الثروة كعقد اجتماعي

وفيما يخص تدبير الثروات، فإن الرؤية تتجه نحو تأسيس “صندوق سيادي جهوي” يضمن توزيعاً عادلاً لعائدات الفوسفاط والصيد البحري والطاقات المتجددة، مع تخصيص نسب ثابتة لمشاريع التنمية المحلية في المناطق الأقل حظاً، لضمان أن يشعر المواطن الصحراوي بـ “أثر الثروة” في حياته اليومية، وتحويل الموارد الطبيعية إلى قاطرة للسلم الاجتماعي الدائم.

استحقاق العبور: الانتخابات وبناء النخب البديلة

تعتبر الانتخابات القادمة في المنطقة المختبر الحقيقي والتمهيد الفعلي لتنزيل هذا النموذج، حيث ستتشكل من خلالها معالم “النخبة الجديدة” التي ستدبر مرحلة الحكم الذاتي. إن هذه الاستحقاقات تتوازى مع مرحلة دقيقة بدأت منذ فترة، تهدف إلى حصر وغربلة الكفاءات الصحراوية التي ظلت لسنوات خارج دائرة الضوء السياسي أو كانت تعمل في الظل؛ حيث تنهج الدولة استراتيجية واضحة لاستقطاب هذه الطاقات غير المستغلة ودفعها للمشاركة الفعالة في مؤسسات الحكم الذاتي، إيماناً بأن استثمار هذه العقول هو الضمانة الحقيقية للانتقال من التدبير التقليدي إلى التدبير المؤسساتي الحديث. وفي هذا الصدد، يتم توجيه نسبة كبيرة من الشباب الصحراوي الطموح وتأهيلهم للعمل في هذا المجال الحيوي، ليكونوا المحرك الأساسي لهذه الانطلاقة، مما يضمن تجديد الدماء في النخبة السياسية المحلية وخلق طبقة من التكنوقراط القادرين على ممارسة السيادة الإدارية والاقتصادية بمهنية عالية، لتكون بمثابة اللبنة الأولى في بناء مؤسساتي واقعي.

الامتداد المجالي: جهة كلميم واد نون بين الفصل والتكامل

تُطرح جهة كلميم واد نون كحالة خاصة في سياق تنزيل الحكم الذاتي، إذ رغم أنها لا تدخل ضمن مجاله المؤسساتي المباشر، فإنها تظل جزءاً من العمق الاجتماعي والمجال القبلي المرتبط بالأقاليم الجنوبية. فالروابط القبلية والتاريخية تجعلها حاضرة بشكل غير مباشر في التوازنات التي تحكم هذا المجال. وفي هذا الإطار، يمكن تصور مسارين رئيسيين: الأول يقوم على الإبقاء على الفصل المؤسساتي، بحيث تظل الجهة ضمن نظام الجهوية المتقدمة، مع استمرار تأثيرها عبر توازنات غير معلنة. أما الثاني، فيتجه نحو التكامل الوظيفي، من خلال تعزيز الروابط الاقتصادية والتنموية بينها وبين مجال الحكم الذاتي، بما يحقق نوعاً من الاندماج العملي دون إدماج قانوني مباشر. وفي الحالتين، تبقى جهة كلميم واد نون فاعلاً مؤثراً في الخلفية، بحكم امتدادها الاجتماعي والقبلي ودورها في استقرار التوازنات داخل المنطقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاخبار العاجلة