لمن ميارة… واد نون من ريادة القوافل وسطوة التاريخ إلى خريف الاستقالة السياسية

مدير الموقع15 مارس 2026آخر تحديث :
لمن ميارة… واد نون من ريادة القوافل وسطوة التاريخ إلى خريف الاستقالة السياسية

تاريخياً، لم تكن منطقة واد نون مجرد جغرافيا عابرة في خريطة الشمال الإفريقي، بل كانت “بوابة الصحراء” ومركز الثقل الاقتصادي والسياسي الذي يربط المغرب بعمقه الإفريقي. في زمن ما قبل الاستعمار، كانت المنطقة مركز إشعاع سياسي واقتصادي عالمي، يضبطُ مسارات القوافل ويرسمُ ملامح التوازنات القبلية الكبرى؛ وخلال فترة الاستعمار، ظلت المنطقة عصية بفضل محطات المقاومة القوية التي أثبتت أن “الصحراء” تنطلق بروحها وعنفوانها من عتبات واد نون.

لكن، وكأن الزمان قد أدار ظهره لهذا المجد، تعيش المنطقة اليوم حالة من “الجمود الروحي”، حيث انطفأ وهج المبادرة وتحولت من صانعة للأحداث إلى منطقة تعيش على هامش الفعل، تسودها حالة من الركود التي أفرغت المؤسسات من جوهرها النضالي. إن هذا النكوص ليس مجرد عطب تقني، بل هو إعلان عن أفول زمن الفحولة السياسية في واد نون؛ ذلك العهد الذي كان فيه الفاعل السياسي رقماً صعباً يتقن فن الموازنات السيادية، ويستمد شرعيته من كاريزما القيادة الميدانية والقدرة على تطويع الإكراهات.

وإذ لم يقف الأمر عند حدود هذا الأفول، بل إن هذا الفقدان لـ “الروح” التاريخية انعكس بمرارة على الحاضر السياسي، حيث يعيش واد نون اليوم حالة من الانكماش غير المسبوق؛ فبدلاً من أن يكون الفاعل السياسي وريثاً لتلك الأنفة التاريخية، وجد نفسه حبيس “انحسار” مخجل أمام قوة المسؤول الترابي. وقد بلغت هذه الحالة ذروتها في وقائع ميدانية يندى لها جبين الممارسة الديمقراطية، حيث تحول السياسي من فاعل مركزي يستمد شرعيته من الصناديق ويمتلك ناصية قراره، إلى محتمٍ بظهر الإدارة الترابية.

إن مشاهد “النكز والنهر” التي وثقتها كاميرات الإعلام الجهوي، لم تكن مجرد عثرات بروتوكولية عابرة، بل كانت لحظة كاشفة لواقع سياسي متأزم. ومن زاوية التحليل النفسي للسلوك السياسي، فإن حركات الجسد مثل “النهر أو النكز” غالباً ما تُفسَّر في أدبيات علم النفس السياسي باعتبارها تعبيراً غير لفظي عن اختلال حاد في ميزان القوة داخل الفضاء التفاعلي؛ إذ تميل هذه الإشارات إلى الظهور في السياقات التي يشعر فيها أحد الأطراف بالتفوق المطلق في مواجهة طرف فقد القدرة على الندية، مما يترك جرحاً غائراً لا يمس الشخص في ذاته فحسب، بل يمس الصفة التمثيلية والعملية السياسية في شموليتها.

ويتجلى هذا الانكسار بوضوح في حالة الصمت المطبق التي تخيم على تدبير الشأن بـ واد نون أمام محطات عديدة يُهدم فيها وقار العملية السياسية؛ حيث يُترك جزء من المكون السياسي وحيداً في مواجهة خطابات تنهل من معجم يفرض منطق التعالي ويصادر حق الاختلاف والندية. إننا هنا نصبح أمام إيحاء صريح بأن الفاعل السياسي المتصدر للمشهد يعيش حالة “احتماء” خلف سلطة المسؤول الترابي، مفضلاً التماهي مع إرادة التعيين بدلاً من الانتصار لهيبة شرعية الصناديق. إن هذه التبعية المطلقة ليست مجرد سلوك عابر، بل هي إعلان عن “استقالة إرادية” أجهزت على ما تبقى من نديّة الفعل السياسي.

ومع ذلك، فإن استعادة وقار “بوابة الصحراء” لن تتأتى إلا عبر “انتفاضة من داخل الصناديق”؛ انتفاضة وعي تفرز نخبًا تؤمن بأن شرعيتها تنبع من إرادة الناس لا من رضاء “الوصاية”، وتسترد للفاعل السياسي دوره كشريك استراتيجي في التنمية لا كموظف ملحق بالإدارة. إن العملية السياسية، في جوهرها، تشبه إلى حد بعيد النفس البشرية؛ فهي كيان حي يحتاج لنموه ونضجه إلى تلبية احتياجات أساسية، تماماً كما لخصها العالم أبراهام ماسلو في هرمه الشهير للاحتياجات. وإذا كان “الأمان” يقع في قاعدة الهرم كشرط للبقاء، فإن روح العملية السياسية تحتاج بالمثل إلى “فاعل سياسي قوي” يمنحها هذا الأمان المؤسساتي. فبدون فاعل يحمي حرمة اختصاصاته، تظل السياسة في واد نون حبيسة الدرجات السفلى من الهرم، عاجزة عن الارتقاء لتقديم مشروع تنموي حقيقي، لأن الارتهان لمنطق الوصاية يغتال روح المبادرة، ويحول العمل السياسي إلى مجرد أداء إداري رتيب يسعى للبقاء لا للريادة.

ويتجسد هذا التردي بشكل صارخ عند عقد المقارنة بين مدرستين؛ مدرسة “الندية السياسية” التي سادت في حقبة سابقة، وعهد “الانحناء التنفيذي” الحالي. لقد عرفت المنطقة سابقاً نموذجاً للفاعل السياسي الذي فرض احترامه ووجوده بمعزل عن موازين التأييد والمعارضة؛ فقد كان يمتلك كاريزما فطرية وقدرة فائقة على الفعل والمناورة والمبادرة؛ كان ضابطاً للتوازنات القبلية ومسوقاً لواجهة سياسية لها ما لها وعليها ما عليها، مما أضفى حيويةً ومعنىً عميقاً على العمل الميداني، وجعل منه محرّكاً حقيقياً للنقاش العمومي، يفرضُ إيقاعاً نديّاً يتجاوزُ منطقَ الوصاية، ويأبى الارتهانَ المطلق لسلطة الإدارة الترابية. أما اليوم، فقد غابت تلك “الأنياب” السياسية، وساد صمت ارتباكي جعل من الدور التمثيلي للمنتخب يتراجع إلى مرتبة “التابع”، وهو ما وأد الروح السياسية وخلق فراغاً موحشاً ملأته الوصاية بكل ثقلها.

إن الدرس القاسي الذي تقدمه تجربة واد نون اليوم هو أن “المناصب لا تصنع القادة، بل القادة هم من يمنحون للمناصب قيمتها”. إن استمرار هذا التراجع يعني بقاء المنطقة رهينة لـ “تنمية بلا هوية” يسيرها منطق التقارير لا تطلعات البشر. إننا اليوم أمام حالة فريدة تستحق الدراسة والتحليل؛ حينما تفقد شرعية الصناديق قوتها وهيبتها أمام سلطة التعيين، وتتحول الأمانة الانتخابية من قوة دافعة إلى عبء يبحث عن حماية.

إن السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه اليوم، والمنطقة مقبلة على تحولات جيوسياسية كبرى مع اقتراب الحل النهائي لملف الصحراء، هو: هل ستظل “بوابة الصحراء” وفية لهذا النمط من التدبير المنكفئ، أم أنها ستعرف “ربيعاً للبزوغ” تظهر فيه نخب كاريزمية جديدة؟ نخب لا تفرط في شرعيتها، وتؤمن بأن واد نون يجب أن تكون “جسراً للحل” وقاطرة للتنمية، لا مجرد “حائط صد” إداري. إن مستقبل المنطقة في ظل الحل السياسي المرتقب يتطلب فاعلين لا يسيرون بـ “التحكم عن بعد”، بل قادة يملكون رؤية الند للند، ليكونوا أهلاً لحمل أمانة التاريخ واستحقاقات المستقبل.

وبين انتظار هذا الانبعاث وهواجس الاستمرارية في الجمود، يبقى التساؤل معلقاً في أفق المنطقة: هل سيحمل “واد صياد” يوماً عبء التغيير ويجرف في عنفوانه رواسب هذا الركود، أم سيظل نبعه جافاً يكتفي بمشاهدة العطش السياسي وهو ينهش روح واد نون؟

 

الاخبار العاجلة