تجاوزت اليوم الدبلوماسية الدولية كل محاولات التمطيط والتسويف، بعد أن إنجلت لها كل الأساطير المحبوكة حول نزاع الصحراء المغربية المفتعل، لتدخل معها ومن واشنطن مرحلة الحسم السياسي والميداني الذي ترعاه الأمم المتحدة وليتحرك العمل الأممي عبر زيارة مسؤولي القبعات الزرق الأخيرة للعيون من مجرد الإجراء الروتيني، إلى التجسيد العملي لتحول جذري في عقيدة مجلس الأمن الدولي، معززا ببراغماتية دولية تقودها الولاياة المتحدة الأمريكية لإنهاء حقبة النزاعات المجمدة.
إن القراءة العميقة للسياق الراهن لزيارة مسرؤولين أممين رفيعي المستوى الى العيون ،تكشف على أن بعثة “مينورسو” تعيش حالة إغتراب عن الواقع، هذه القوة الأممية التي ولدت في رحم الحرب الباردة سنة 1991 بموجب القرار 690، والتي كانت محكومة الإختصاص بمهام تقنية محصورة في “الاستفتاء” و مراقبة “وقف إطلاق النار”، وهو سياق سرعان ما سقطت ركائزه أمام إستحالة الإستفتاء من الناحيتين الثقنية والسياسية بشهادة الأمم المتحدة نفسها منذ مطلع الألفية، وبزوغ مقترح الحكم الذاتي كخيار وحيد وأوحد يحظى بدعم القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، وألمانيا لتنضاف إليها روسيا والصين بخروجهما مؤخرا وعبر ماحملته تقارير مراكز تفكير دولية ومنها المجلس الروسي لشؤون الدولية عن حيادها المعهود لسنوات.
إن الزيارة الميدانية الأخيرة للوفد الأممي، وفي ظلال القرار 2797، هي في جوهرها عملية تدقيق إستراتيجي تسبق كل مراجعة شاملة مرتقبة لمهام هذه البعثة خلال ما تبقى من عملها في الأشهر المتبقية من هذه السنة، حيث باتت واشنطن تتبنى مقاربة تصفية المهام”Mission Exit Strategy” التي ترفض إستنزاف الميزانيات في بعثات لا تحقق أي تقدم سياسي ملموس. هذا التحول الذي يعني أن قوات القبعات الزرق في الصحراء المغربية يقفون على عتبة إعادة تعريف وجودهم، فالمجتمع الدولي لم يعد يبحث عن من يملك السيادة والتي حسم أمرها مند إسترجاع المغرب لأراضيه الصحراوية ، بل أضحى النقاش الذي يؤطر أي مفاوضات عن كيفية إدارة وتنظيل الحكم الذاتي وطبعا تحت السيادة المغربية، وهو ما يجعل تغيير اسم البعثة ومهامها ضرورة ملحة لمطابقة القانون الدولي مع الواقع التنموي والزخم التمثيلي والقنصلي الذي تعيشه مدن العيون والداخلة.
إن استشراف مستقبل البعثة يشير إلى انتقالها من مجال حفظ السلام في نزاع مفتعل، إلى بناء الاستقرار وهندسته عبر دعم تنزيل الحكم الذاتي، الأمر الذي يتوقع معه أن تتحول مهام البعثة الأممية نحو مراقبة الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بالتعاون مع السلطات المغربية، وتسهيل العودة الطوعية لسكان المخيمات. إن حذف كلمة “الاستفتاء” من مسمى البعثة وتعويضها بمصطلحات تعكس دعم المسار السياسي والمثمتل في تنزيل الحكم الذاتي، ليس مجرد تحديد للمفاهيم التي يحدد قاموسها القانون الدولي ، بل يعتبر إعلان قانوني صريح عن إنتهاء صلاحية صيغة 1991.
د/ الحسين بكار السباعي : محلل سياسي وإستراتيجي
ختاما، لقد كانت مفاوضات واشنطن الأخيرة والقرار 2797 بمثابة اللبنات الأولى لإنهاء “مينورسو” بصيغتها القديمة، وتعويضها بآلية دولية تواكب الإنتقال السلس نحو التسوية النهائية، لتعلن للعالم أن زمن إدارة النزاع المفتعل قد ولى، وأن ساعة تصفية الملف وفق الرؤية المغربية قد دقت، إنه تأكيد لواقعية سياسية لا تقبل الإرتداد.



















